محمد أبو زهرة
3577
زهرة التفاسير
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ ( 42 ) . إن السمع لا يعتبر وحده ولا يدرك وحده ، بل لا بد من السمع والإدراك ، والبصر لا يدرك ما يشاهد ومغزاه وعبره ، بل لا بد من أن يرى الرائي ويدرك العبر ، وإن هؤلاء أهل جهنم الذين طمس على بصائرهم ، كما قال تعالى : وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ ( 179 ) [ الأعراف ] ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ : ومنهم أي من المشركين الذين يعرضون عن الحق ، من يستمعون إليك بظاهر حسهم ، وتحسبهم مستمعين للقول فيتبعون أحسنه ويفكرون متدبرين مميزين بين الحق والباطل ، ولكنهم كالأصم من حيث الهداية ؛ وذلك لأنهم يستمعون إلى الألفاظ تتردد ولا يفقهون معناها ولا يذوقون الحق ويدركونه ، وهم كالصم في آذانهم وقر ، قد ماتت عقولهم وصاروا في عدم إدراكهم معنى الكلام ومرماه وغاياته وجماله وكماله كمن لا يسمع أصلا ؛ لأنه لا ثمرة لسمعه ؛ لأنه يسمع جرس الكلام ولا يفقهه ولا يذوق بيانه . ومن مواضع العجب أن يطلب ممن هذا شأنه - الإدراك والاعتبار بما يسمع من قصص وعظات ، ولذا قال تعالى : أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ . الاستفهام للتعجب والنفي ، ( الفاء ) لترتيب التعجب على حالهم ، والمعنى أنه لا فائدة في استماعهم ودعوتهم ، والعجب من رجاء الاستجابة منهم ، فهم قد اجتمعت فيهم صفتان تمنعان الاستجابة : الأولى - الصمم النفسي ، وهو يكون بإعراضهم واستنكافهم كأن بهم وقرا . الثانية - أنهم لا يعقلون ، فلا يستجيبون لدعوة الحق . وإن نظرهم كسمعهم ؛ ولذا قال تعالى : وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَ فَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ ( 43 ) .